النويري

390

نهاية الأرب في فنون الأدب

على المشي في الزّلَّاقة لئلا يزلق ، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر . ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب . وانتهت بهم الزّلَّاقة إلى موضع مربّع في وسطه حوض من حجر صلد مغطَّى . فلما كشف عنه غطاؤه ، لم يوجد فيه إلا رمّة بالية . فأمر المأمون بالكف عما سواه . وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا . وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده ، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس ، وهو في السفر الثاني عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك . وقال بعض أهل النظر ، وقد عاين الأهرام : « كلّ بناء يخاف عليه من الدّهر ، إلا هذا البناء فإني أخاف على الدّهر منه » . ونظم عمارة اليمنىّ هذا القول ، فقال : خليلىّ ، ما تحت السماء بنيّة تماثل في إتقانها هرمى مصر ! بناء يخاف الدّهر منه ، وكلّ ما على ظاهر الدنيا يخاف من الدّهر ! تنزّه طرفي في بديع بنائها ، ولم يتنزّه في المراد بها فكرى . وقال بعض الشعراء : حسرت عقول ذوى النّهى الأهرام ، واستصغرت لعظيمها الأعلام . ملس منيّفة البناء شواهق ، قصرت لعال دونهنّ سهام ! لم أدر حين كبا التفكَّر دونها واستبهمت لعجيبها الأوهام ، أقبور أملاك الأعاجم هنّ ، أم طلَّسم رمل هنّ ، أم أعلام ؟